في 11 نوفمبر، ستمثل لينا عطا الله، مؤسِّسة موقع مدى مصر الإخباري المصري المستقل ورئيسة تحريره، أمام المحكمة للمرة الثانية خلال أسبوعين فقط. وهذه المرة تواجه تهمة نشر أخبار كاذبة، وهي تهمة أصبحت من أكثر الأدوات التي تلجأ إليها الحكومة المصرية لملاحقة الصحفيين. 

وتأتي هذه المحاكمة بعد حكم صدر في 27 أكتوبر، حين أُدينت عطا الله بإدارة موقع إخباري دون ترخيص. وكان فريق مدى مصر قد تقدّم مرارًا بطلبات للحصول على ترخيص، لكن محاولاته قوبلت بالتجاهل. وجرت الإجراءات في جلسة واحدة، يؤكد مدى مصر أنها شهدت انتهاكات جسيمة لحقها في محاكمة عادلة. وقد حُكم عليها بالحد الأقصى للغرامة، وهو 3 ملايين جنيه مصري (نحو 55 ألف دولار أمريكي)، وأُخرجت من قاعة المحكمة بالقوة، واحتُجزت سبع ساعات إلى أن سُدِّدت الغرامة. كما أمرت المحكمة بإغلاق مدى مصر ومصادرة جميع المعدات التابعة للمؤسسة. 

وطالت موجة القمع الحالية أيضًا منصة متصدقش، وهي مبادرة لتدقيق المعلومات والتحقيق بالمصادر المفتوحة. فقد اعتُقل بعنف فريقها التحريري بأكمله، المؤلف من ستة أشخاص، واحتُجزوا بشكل غير قانوني واستُجوبوا تحت التعذيب، قبل أن توجَّه إليهم اتهامات تتعلق بالإرهاب ونشر أخبار كاذبة. ولا يزال الفريق رهن الحبس الاحتياطي. 

ووفقًا للجنة حماية الصحفيين، يقبع حاليًا ما لا يقل عن 25 صحفيًا آخرين في السجون المصرية. 

تعتمد الحكومات الساعية إلى التحكم في تدفق المعلومات بشكل متزايد على مزيج من المضايقات القانونية والضغوط المالية والملاحقات الجنائية، والقيود على البنية التحتية التي تجعل النشر المستقل ممكنًا. ويُعدّ نظام ترخيص وسائل الإعلام في مصر مثالًا مقلقًا بشكل خاص. فإلزام المؤسسات الإخبارية بالحصول على إذن حكومي لممارسة عملها يخلق آلية واضحة للتحكم في من يحق له النشر، وأي الأصوات يُسمح لها بالوصول إلى الجمهور.  

وتهمة نشر أخبار كاذبة لا تقل خطورة. فقد باتت الحكومات حول العالم تتذرع بشكل متزايد بخطاب المعلومات المضللة لتبرير تقييد حرية التعبير، وغالبًا دون ضمانات حقيقية تحول دون إساءة استخدامها لأغراض سياسية، كما أوضحنا في مساهمتنا الأخيرة المقدَّمة إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. ولا ينبغي أبدًا أن تكون الحكومات هي الحَكَم في تحديد أي عمل صحفي مسموح به، لا سيما حين يتناول ذلك العمل سلوكها هي. 

لماذا يهمّ مدى مصر 

منذ تأسيسه عام 2013، أمضى مدى مصر أكثر من عقد في ممارسة نوع الصحافة الذي تراه الحكومات السلطوية الأكثر تهديدًا لها: توثيق الانتهاكات، وإيصال أصوات المهمَّشين، وتغطية قضايا تفضّل المؤسسات النافذة أن تبقى طيّ الكتمان. 

فقد منحت تقاريره منبرًا للناجين من التعذيب ولأسر المعتقلين السياسيين. وفتحت المجال للنقاش حول الحقوق الإنجابية. ونقلت تغطيات ميدانية من السودان وغزة، ووقفت إلى جانب اللاجئين في مواجهة الاعتداءات المعادية للأجانب والحملات الأمنية. 

وقد نشأ مدى مصر منصةً رقمية في المقام الأول، في بيئة إعلامية كانت القيود فيها تشتد على المنابر التقليدية، وأتاح له كونه رقميًا بالكامل أن يبني مؤسسوه منبرًا مستقلًا خارج هياكل الإعلام التقليدي.  

وفي وقت لم تكن فيه نسبة المصريين القادرين على الوصول إلى الإنترنت تتجاوز 43%، كان التحول الرقمي الكامل مجازفة كبيرة، لكنها أثمرت: فرغم حجبه من قِبل الحكومة المصرية منذ عام 2017، واصل مدى مصر الوصول إلى الجمهور المصري والعالمي، ونالت عطا الله تكريمات عديدة، من بينها جائزة نايت للصحافة الدولية، ووسام الفنون والآداب الفرنسي، ومكانًا ضمن قائمة مجلة تايم لأكثر 100 شخصية تأثيرًا (2020). 

كما انخرط مدى مصر باستمرار في قضايا التكنولوجيا، ودافع عن إنترنت حر ومستقل لصالح الأغلبية العالمية. وغطّى في السنوات الأخيرة عشرات القضايا التقنية الساخنة، من مشروع قانون الجرائم الإلكترونية في مصر واستخدام إسرائيل لأسلحة الذكاء الاصطناعي في غزة، إلى تقارير عن "فوضى الخصوصية" الناتجة عن البيانات البيومترية، وصولًا إلى مقالات شخصية عن أهمية الإنترنت والتكنولوجيا. وفي أغسطس، أطلق الموقع دعوة مفتوحة لتقديم مقترحات لتقارير أصيلة ونقدية حول الذكاء الاصطناعي. 

قد يكون مدى مصر مصريًا حتى النخاع، لكنه لا يخص مصر وحدها. فقد جعل منه فريقه منبرًا يمثّل نوع الصحافة المستقلة والمحلية والمتجذرة في الواقع الذي يحتاجه الجمهور الدولي، لا سيما في وقت تشحّ فيه التغطية الدولية لقمع الدول. وقد بنى الفريق شبكات ميدانية تضع الأصوات المحلية في الصدارة في السودان (ونشر عن النزاع باللغتين الإنجليزية والعربية) وفي غزة، انطلاقًا من شعور بالمسؤولية والتضامن العابرَين للحدود. 

ولهذا تحديدًا ينبغي أن يثير احتمال إغلاقه قلق كل من يهتم بحرية الصحافة. فالقدرة على النشر باستقلالية، والتحقيق في المؤسسات النافذة، وتبادل المعلومات دون تدخل حكومي، ركيزة أساسية لممارسة حرية التعبير.  

من التضامن إلى الفعل 

أعرب المجتمع الدولي مرارًا عن قلقه إزاء القيود المفروضة على حرية الصحافة والإنترنت في مصر. وقد انضمت حتى الآن أكثر من 100 منظمة إلى بيانات تضامن مع مدى مصر ومع متصدقش.  

لهذه التعبيرات عن الدعم أهميتها، خاصة في ظل تزايد عزلة الصحفيين والتهديدات التي يتعرضون لها، لكن التضامن يجب أن يتحول أيضًا إلى ضغط سياسي ومؤسسي متواصل. 

وعلى الحكومات والمؤسسات الدولية التي تربطها علاقات بمصر، ومنها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أن توضّح أن ملاحقة الصحفيين والإغلاق القسري لوسائل الإعلام المستقلة أمر غير مقبول.  

يجب إسقاط القضايا المرفوعة ضد لينا عطا الله ومدى مصر ومتصدقش. ويجب الإفراج عن الصحفيين الذين لا يزالون رهن الاحتجاز. كما يجب إنهاء نظام الترخيص في مصر، بما له من آثار تخويفية عميقة على الوصول إلى المعلومات وعلى إنتاج المعرفة المستقلة. 

ثمة إلحاح خاص للدفاع عن الإعلام المستقل في لحظة تجد فيها الحكومات سبلًا متزايدة لتقييد تداول المعلومات. فسواء عبر قطع الإنترنت، أو تقييد المنصات، أو المراقبة، أو تجريم العمل الصحفي، كثيرًا ما تكون النتيجة واحدة: فرص أقل للناس لفهم ما يجري من حولهم، والتشكيك في الروايات الرسمية، ومحاسبة السلطة. 

لا يمكننا أن نسمح بأن يصبح إغلاق واحدة من أهم غرف الأخبار المستقلة في مصر وملاحقة رئيسة تحريرها مجرد حلقة روتينية أخرى في التآكل العالمي لحرية الصحافة. ولا ينبغي أن ننتظر حتى يُسكَت آخر الصحفيين المستقلين لندرك حجم ما خسرناه. 

لمعرفة المزيد عن لينا عطا الله بكلماتها، يمكنكم قراءة مقابلتنا معها ضمن سلسلة Speaking Freely المنشورة في يناير 2026. 

  

Related Issues

Tags